فخر الدين الرازي
91
تفسير الرازي
المال بسبب أمر الله بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا قال الله تعالى : * ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) * فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا . أما قوله * ( الذين يأكلون الربا ) * فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل لأنه معظم الأمر ، كما قال : * ( الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ) * ( النساء : 10 ) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله * ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) * ( البقرة : 188 ) وأيضاً فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل ، إنما يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد ، وأيضاً فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم : " لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له " فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضاً فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا ، وأما الربا ففيه مسائل : المسألة الأولى : الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ومنه قوله * ( اهتزت وربت ) * ( الحج : 5 ) أي زادت ، وأربى الرجل إذا عامل في الربا ، ومنه الحديث " من أجبى فقد أربى " أي عامل بالربا ، والاجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه ، هذا معنى الربا في اللغة . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي * ( الربا ) * بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء ، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو ، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء ، قال صاحب " الكشاف " : الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع . المسألة الثالثة : إعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل . أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، ويكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به . وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك . إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم